سلسلة نُكْتَة لُغَويّة · الحلقة الثالثة

توجيه قراءة ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ للإمام الكسائي

هل يمكن لحرف واحد أن يغيّر جهةَ المعنى؟ حلقةٌ في توجيه القراءات، بين قراءة الجمهور «هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ» وقراءة الإمام الكسائي «هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ».

القناة:
النحو نحوك، والبلاغة بلاغتك
تقديم:
الأستاذ شريف سلامة
المدة:
4:14 دقيقة
التصنيف:
تعليمي · علوم القرآن واللغة
المصدر:
المائدة 112

مشاهدة الحلقة

المعلم: الأستاذ شريف سلامة

معلّم اللغة العربية · النحو والبلاغة. قناة «النحو نحوك، والبلاغة بلاغتك».

معلّم اللغة العربية (عام وأزهري)، وشرحه قائم على النحو والصرف والبلاغة والأدب والنصوص والقراءة والإملاء، وله منصّاته على يوتيوب وفيسبوك وتيك توك. وسلسلة «نكتة لغوية» من إعداده وتقديمه، وهذه الحلقة الثالثة منها في توجيه القراءات.

شعاره: «من الحفظ إلى الفهم… ومن القاعدة إلى التطبيق»

عن الحلقة

تفتتح الحلقة بسؤال مباشر: هل يمكن لحرف واحد أن يغيّر جهة المعنى؟ ثم تنتقل إلى التطبيق على قوله تعالى في سورة المائدة، حيث يقع الاختلاف بين القرّاء في جملة واحدة، فيتغيّر الإسناد ويتغيّر معه وجه الدلالة.

  • محور الحلقة: قراءة «هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ» عند الجمهور، وقراءة «هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ» عند الإمام الكسائي.
  • الشاهد: أبواب من الشاطبية في الخطاب والنصب والإدغام.
  • النكتة: اختلاف القراءات قد يكون اختلافًا في جهة المعنى لا في اللفظ فحسب.

الآية محور الحلقة

المائدة: 112

﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

موضع الخلاف: «هل يستطيع ربك»؛ فمن قرأها بياء الغيبة ورفع «ربُّك» فذلك الجمهور، ومن قرأها بتاء الخطاب ونصب «ربَّك» فذلك الإمام الكسائي.

مقارنة

القراءتان في كلمتين

القراءةالنصالتوجيهالقرّاء
قراءة الجمهورهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَياء الغيبة في «يستطيع»، و«ربُّكَ» فاعل مرفوع بالضمّة (رفع)عامّة القرّاء
قراءة الكسائيهَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَتاء الخطاب في «تستطيع»، و«ربَّكَ» مفعول به منصوب بالفتحة (نصب)الإمام الكسائي
حرفٌ واحد يفصل بين القراءتين: الياء ← التاء، ومعها تتغيّر حركة الباء: الضمّة ← الفتحة.

من الشاطبية

قول الإمام الشاطبي

وَخَاطِبْ فِي «هَلْ يَسْتَطِيعُ» رُوَاتُهُوَ«رَبَّكَ» رَفْعُ الْبَاءِ بِالنَّصْبِ رَتَّلَا

المصدر: حرز الأماني ووجه التهاني (الشاطبية)

يوجّه الشاطبي قراءةَ الكسائي: الخطاب في «تستطيع» بتاء الخطاب، والنصب في «ربَّك».

مسألة تجويدية

إدغام لام «هل» في التاء

  • لام «بَلْ» تُدغم في سبعة أحرف، ولام «هَلْ» تُدغم في ثلاثة أحرف.
  • ومما تُدغم فيه لام «هل»: التاء، ومنه قولنا في قراءة الكسائي: «هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ».
  • فالآية شاهدٌ على مسألتين معًا: مسألة الخطاب في «تستطيع»، ومسألة إدغام لام «هل» فيما بعدها.

دلالة القراءة الأولى

معنى قراءة الجمهور — هل يستجيب ربك إذا طلبتَ منه؟

  • السؤال ليس منشؤه عدم إيمان الحواريين بقدرة الله تبارك وتعالى، بل هو إيمان تامّ بقدرته جلّ وعلا على ذلك.
  • المعنى: هل يستجيب ربك إذا طلبتَ منه ذلك؟ فهو استدعاءٌ للطلب لا تشكيكٌ في القدرة.
  • وفيه تلطّفٌ وأدب، بدليل قولهم بعدها:

﴿نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾

نظائر في التلطّف

هذا من باب الأدب في السؤال

﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾

سورة البقرة

نظير إبراهيم عليه السلام

سأل عن الكيفية مع يقينه التامّ، ونصَّ على سبب الطلب: «لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي».

نظير سؤال الصحابي

سؤال الرجل لعبد الله بن زيد: «أتستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضّأ؟» مع علمه أنه يستطيع؛ فساقه مساق الأدب والتلطّف لا مساق الشكّ.

دلالة القراءة الثانية

معنى قراءة الكسائي — هل تستطيع أن تسأل ربك؟

معنى القراءة عند الكسائي: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ أي هل تستطيع سؤالَ ربك؟

﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾

أي: أهل القرية، شاهد الحذف والإقامة.

فحُذف المضاف «أهل» وأُقيم المضاف إليه «القرية» مقامه وأُعطِي حكمَه الإعرابي؛ فالإسناد في هذه القراءة لا يتوجه إلى قدرته سبحانه على الإنزال، بل إلى سؤال عيسى عليه الصلاة والسلام ودعائه ربَّه.

بلاغة الحذف والاستعارة

إيجازٌ بالحذف واستعارةٌ مكنيّة

  • إيجازٌ بالحذف: حُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه، فتمّ المعنى بأخصر لفظ.
  • استعارةٌ مكنيّة: شُبِّهت القرية بإنسانٍ يُسأل ويجيب، فأُثبت لها فعل السؤال.
  • والتقدير في قراءة الكسائي: «هل تستطيع سؤالَ ربك».

الخلاصة

النكتة اللغوية

اختلاف القراءات ليس اختلافًا في اللفظ فحسب، بل قد يكون اختلافًا في جهة المعنى؛ فقراءة الجمهور نظرُها إلى استجابة الله تبارك وتعالى لسؤال المؤمنين، وقراءة الإمام الكسائي نظرُها إلى سؤال عيسى عليه الصلاة والسلام ودعائه ربَّه. وحرفٌ واحد كفى لنقل الكلام من باب الاستجابة إلى باب السؤال.